الجصاص
36
الفصول في الأصول
قال أبو بكر : ومعناه عندي إذا جاءوا مجتمعين متشاعرين ، ( 1 ) يجوز على مثلهم التواطؤ على الكذب . قال عيسى رحمه الله : لأن الذي يعمل عليه في ذلك : هو ما يقع لنا به من العلم الضروري ، الذي لا مجال للشك معه ، ولا مساغ للشبهة فيه ، وذكر ما في هذا القسم ، ما في القرآن من الإخبار بالغيوب ، عن أمور مستقبلة ، فوجد مخبره على ما أخبر به ، نحو قوله تعالى : ( ألم غلبت الروم في أدنى الأرض ) ( 2 ) الآية ، وكقوله تعالى ( لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ) ( 3 ) الآية ، وكقوله تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ، كما استخلف الذين من قبلهم ) ( 4 ) إلى آخر الآية ، ونظائر ذلك ، فوجد مخبر هذه الأخبار ما أخبر به تعالى . ونحوه : ما أخبر به النبي عليه السلام ونحو ذلك ، مما لا يخفى كثرة ، فوجد على ما قال ووصف . فمنه ما وجد في أيامه ، ومنه ما أخبر به عما يكون بعده ، فوجد على ما أخبر به . وما ذكر من نحو ذلك أيضا : أنا إذا رأينا الناس منصرفين يوم الجمعة من طريق الجمع ، فاعترضناهم سائلين لهم عن مجيئهم فقالوا : جئنا من الجامع ، وقد صلينا علمنا ضرورة : أن خبرهم قد اشتمل على صدق ، مع جواز الكذب على بعضهم فيما أخبر به على نفسه ، وكذلك لو اعترضنا قافلة الحاج وهم راجعون من طريق مكة وسألناهم ، فقالوا : حججنا ، ووقفنا بعرفات ، علمنا ضرورة بأن خبرهم قد اشتمل على صدق ، مع جواز كون بعضهم كاذبا فيما أخبر به عن نفسه . قال عيسى : وأما الخبر الذي يعلم كذبه حقيقة ، فكنحو أخبار مسيلمة وأضرابه من المتنبئين الكذابين ، أخبروا بأشياء من الأمور المستقبلة فكانت كذبا وزورا ، وادعوا أن لهم